النبؤة عن مصر وفرعون مصر من نبؤات حزقيال النبي

سلسلة نبؤات حزقيال النبي عن الأمم والشعوب


تنبأ حزقيال النبي عن بعض الشعوب المجاورة لمملكتي يهوذا وإسرائيل، وكانت لهذه الشعوب صلات تجارية مع بني إسرائيل، وقد تضمنت هذه النبوات ما كان عتيداً أن يصيب هذه الشعوب من قضاء إلهي كما وقع على بني إسرائيل ، وذلك تأكيداً لسلطان الله على جميع أمم وشعوب العالم ولم تأت هذه النبوات انعكاسا لروح التشفي والانتقام بل كانت درسا مقدماً لليهود عن عدالة الله المطلقة.


ومن هذه النبؤات النبؤة عن مصر وفرعون مصر حزقيال الاصحاح 29 وحتى الاصحاح 32



الإصحاح التاسع والعشرون

يتناول هذا الإصحاح والإصحاحات الثلاثة التالية نبوات حزقيال النبي على فرعون وعلى مصر ، وكان تاريخها في الفترة ما بين 586- 585 ق.م. ماعدا الجزء المذكور في (ص29: 17-21) الذي كان تاريخه 571 ق.م. وفي أيام حزقيال النبي- كما في أيام أشعياء النبي- كان هناك بين كل من مصر وبلاد ما بين النهرين صراع عنيف ( 2مل18: 21 ، أش20: 5 ، أر37: 5-10 ) وكان نبوخذ نصر قد هزم فرعون نخو عند كركميش سنة 605 ق.م. ، وخلف بسمتيك الثاني نخو ومات سنة 588 ق.م. وجاء فرعون خفرع، الذي يدعوه هيرودت ابريس ، وحاصر صور وصيدون ، وأخضع بلاد فينيقية ، ولكن إنقساماً وقع بعد ذلك في مملكته وقامت فتن وحروب زحف في أثنائها نبوخذ نصر في جيش عظيم على مصر ففتحها وهدم هياكل آلهتها وكان أرميا قد تنبأ عن خفرع بوقوعه في يد أعدائه وليد طالبى نفسه ، وقد عزله أمازيس وقَُتِلَ بعد ذلك ، وحكم الملك امازيس بعد ذلك، وقد تمرد على مملكة فارس وجاء بعده بسمتيك الثالث الذي في عهده زحف قمبيز بن كورش ملك فارس بجيوشه الضخمة إلى مصر وفتحها بعد حروب كثيرة وذاقت مصر ويلات الفاتحين وانتهى بذلك حكم الفراعنة إذ أصبحت مصر تحت حكم الفرس ثم اليونان ثم الرومان .


ويشتمل هذا الإصحاح على:
1. فرعون تمساح مصر ( عد1-7 )
2. نبوتين على مصر ( عد 8-16 )
3. غزو نبوخذ نصر لمصر (عد17-21)

أولاً: فرعون تمساح مصر ( عد1-7 )
"1فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الْعَاشِرِ كَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: 2يَا ابْنَ آدَمَ, اجْعَلْ وَجْهَكَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِ وَعَلَى مِصْرَ كُلِّهَا. 3تَكَلَّمْ وَقُلْ: هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا عَلَيْكَ يَا فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ, التِّمْسَاحُ الْكَبِيرُ الرَّابِضُ فِي وَسَطِ أَنْهَارِهِ, الَّذِي قَالَ: نَهْرِي لِي وَأَنَا عَمِلْتُهُ لِنَفْسِي. 4فَأَجْعَلُ خَزَائِمَ فِي فَكَّيْكَ وَأُلْزِقُ سَمَكَ أَنْهَارِكَ بِحَرْشَفِكَ, وَأُطْلِعُكَ مِنْ وَسَطِ أَنْهَارِكَ وَكُلُّ سَمَكِ أَنْهَارِكَ مُلْزَقٌ بِحَرْشَفِكَ. 5وَأَتْرُكُكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَنْتَ وَجَمِيعَ سَمَكِ أَنْهَارِكَ. عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ تَسْقُطُ فَلاَ تُجْمَعُ وَلاَ تُلَمُّ. بَذَلْتُكَ طَعَاماً لِوُحُوشِ الْبَرِّ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ. 6وَيَعْلَمُ كُلُّ سُكَّانِ مِصْرَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِمْ عُكَّازَ قَصَبٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. 7عِنْدَ مَسْكِهِمْ بِكَ بِالْكَفِّ انْكَسَرْتَ وَمَزَّقْتَ لَهُمْ كُلَّ كَتِفٍ, وَلَمَّا تَوَكَّأُوا عَلَيْكَ انْكَسَرْتَ وَقَلْقَلْتَ كُلَّ مُتُونِهِمْ "
يرجع تاريخ هذه النبوة إلى سنة ويومين من بعد زحف نبوخذ نصر على أورشليم ( ص24: 1 ، 2 و 2مل 25: 1 ) وقبل خرابها بسبعة أشهر (2مل 25: 3-8) وفرعون المذكور هنا هو خفرع الذي حكم مصر من 588 إلى 569 ق.م. وكان حفيداً لنخاو الذي هزم يوشيا ملك يهوذا عند مجدو (2 أيام35: 21-27).
وقد طلب صدقيا ملك يهوذا مساعدة فرعون خفرع ، فرفع الكلدانيون الحصار عن أورشليم، ولكنهم عادوا لحصارها بعد انسحاب المصريين وقد عُرِف فرعون خفرع بالكبرياء، وقال هيرودت أنه كان يدعي بعدم قدرة الآلهة على إسقاطه، وها هو يوصف هنا بالتمساح الكبير الرابض في وسط أنهاره والذي قال نهري لي وأنا عملته بنفسي وبسبب كبريائه كان الخراب آتياً عليه وعلى شعبه لكي يعرف سكان مصر أن بني إسرائيل قد إتكلوا على قصبة مرضوضه عندما طلبوا تحالفهم مع فرعون وها هي يد الرب على فرعون المتشامخ ، فتوضع خزائم في فكيه ويصير طعاماً لوحوش البر ولطيور السماء، بعكس ما كان عند المصريين من تكريم لجثث موتاهم ، فكانوا يبنون لها المقابر والأهرامات.

ثانياً: نبوتين على مصر (عد 8-16)
"8لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكَ سَيْفاً, وَأَسْتَأْصِلُ مِنْكَ الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ. 9وَتَكُونُ أَرْضُ مِصْرَ مُقْفِرَةً وَخَرِبَةً, فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ لأَنَّهُ قَالَ: النَّهْرُ لِي وَأَنَا عَمِلْتُهُ. 10لِذَلِكَ هَئَنَذَا عَلَيْكَ وَعَلَى أَنْهَارِكَ, وَأَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ خِرَباً خَرِبَةً مُقْفِرَةً مِنْ مَجْدَلَ إِلَى أَسْوَانَ إِلَى تُخُمِ كُوشَ. 11لاَ تَمُرُّ فِيهَا رِجْلُ إِنْسَانٍ, وَلاَ تَمُرُّ فِيهَا رِجْلُ بَهِيمَةٍ, وَلاَ تُسْكَنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. 12وَأَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ مُقْفِرَةً فِي وَسَطِ الأَرَاضِي الْمُقْفِرَةِ, وَمُدُنَهَا فِي وَسَطِ الْمُدُنِ الْخَرِبَةِ تَكُونُ مُقْفِرَةً أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَأُشَتِّتُ الْمِصْرِيِّينَ بَيْنَ الأُمَمِ وَأُبَدِّدُهُمْ فِي الأَرَاضِي. 13لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: عِنْدَ نَهَايَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَجْمَعُ الْمِصْرِيِّينَ مِنَ الشُّعُوبِ الَّذِينَ تَشَتَّتُوا بَيْنَهُمْ 14وَأَرُدُّ سَبْيَ مِصْرَ, وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى أَرْضِ فَتْرُوسَ إِلَى أَرْضِ مِيلاَدِهِمْ, وَيَكُونُونَ هُنَاكَ مَمْلَكَةً حَقِيرَةً. 15تَكُونُ أَحْقَرَ الْمَمَالِكِ فَلاَ تَرْتَفِعُ بَعْدُ عَلَى الأُمَمِ, وَأُقَلِّلُهُمْ لِكَيْلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَى الأُمَمِ. 16فَلاَ تَكُونُ بَعْدُ مُعْتَمَداً لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ, مُذَكِّرَةَ الإِثْمِ بِانْصِرَافِهِمْ وَرَاءَهُمْ, وَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا السَّيِّدُ الرَّبُّ "
لعل هذه النبوة قد تمت بعد إصدارها بحوالي سبع عشرة سنة ، فإختبر فرعون وشعبه أهوال الحرب والخراب ، وعم الخراب البلاد من مجدل في الشمال إلى أسوان في الجنوب ، إلى تخم كوش (بلاد النوبة) أما عن الأربعين سنة فهي كانت تقريباً ما بين غزو نبوخذ نصر وغزو قمبيز ، وكانت مصر خلالها تحت حكم وإستعباد ملوك بابل ، وكان نبوخذ نصر قد سبى كثيرين من المصريين، ولاشك أن كثيرين منهم هربوا إلى البلاد المجاورة ويقول حزقيال بلسان الرب أن هذا التأديب كان مؤقتاً، فبعد هذه المدة يجمع الرب شمل المصريين المشتتين ويرجعهم إلى بلادهم.

ثالثاً: غزو نبوخذ نصر لمصر ( عد17-21 )
"17وَكَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ: 18يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكَ بَابِلَ اسْتَخْدَمَ جَيْشَهُ خِدْمَةً شَدِيدَةً عَلَى صُورَ. كُلُّ رَأْسٍ قَرِعَ, وَكُلُّ كَتِفٍ تَجَرَّدَتْ, وَلَمْ تَكُنْ لَهُ وَلاَ لِجَيْشِهِ أُجْرَةٌ مِنْ صُورَ لأَجْلِ خِدْمَتِهِ الَّتِي خَدَمَ بِهَا عَلَيْهَا. 19لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أَبْذُلُ أَرْضَ مِصْرَ لِنَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ فَيَأْخُذُ ثَرْوَتَهَا وَيَغْنَمُ غَنِيمَتَهَا وَيَنْهَبُ نَهْبَهَا فَتَكُونُ أُجْرَةً لِجَيْشِهِ. 20قَدْ أَعْطَيْتُهُ أَرْضَ مِصْرَ لأَجْلِ شُغْلِهِ الَّذِي خَدَمَ بِهِ لأَنَّهُمْ عَمِلُوا لأَجْلِي يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 21فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُنْبِتُ قَرْناً لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. وَأَجْعَلُ لَكَ فَتْحَ الْفَمِ فِي وَسَطِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ "
هذه الآيات الأخيرة من هذا الإصحاح تصف إتمام النبوة بالتحديد فبعد سبع عشرة سنة من إعطاء النبوة السابقة ، إستخدم الرب نبوخذ نصر لإتمامها وقد أعطاه مصر كأجرة أو مكافأة له على ما فعله من نقمة على ملك صور الذي كان قد أساء إلى أورشليم ، فأثار الرب نبوخذ نصر ضد صور وحاربها، وكافأه الرب بخيرات مصر وهكذا نرى يد الرب تعمل وتوجه الأحداث بين الشعوب والممالك وتجريها في إتجاهات لإتمام مقاصد الله.
ويختتم هذا الإصحاح بوعد، وهو أن ينبت قرن لخلاص شعبه ويفتح فم حزقيال نبيه لإعلان هذا الخلاص لبني أمته "فيعلمون إني أنا الرب" ولعل هذا القرن كان على المدى البعيد يشير إلى " قرن الخلاص " الذي نطق به زكريا عندما ولد إبنه يوحنا المعمدان الذي أعد الطريق أمام المسيح ( لو 1: 69 ).


الإصحاح الثلاثون
يواصل حزقيال النبي نبواته عن فرعون مصر ويشتمل على خمسة أقسام:

1. دينونة مصر والأمم المجاورة لها ( عد1-5 ).
2. الأرض المقفرة ( عد6-9 ).
3. نبوخذ نصر أداة عقاب ( عد10-12 )
4. إبادة أصنامها ( عد 13-19 )
5. انكسار فرعون بيد ملك بابل ( عد 20-26 )

أولاً: دينونة مصر والأمم المجاورة لها (عد1-5)
"1وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: 2يَا ابْنَ آدَمَ تَنَبَّأْ وَقُلْ: هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَلْوِلُوا: يَا لَلْيَوْمِ! 3لأَنَّ الْيَوْمَ قَرِيبٌ. وَيَوْمٌ لِلرَّبِّ قَرِيبٌ يَوْمُ غَيْمٍ. يَكُونُ وَقْتاً لِلأُمَمِ. 4وَيَأْتِي سَيْفٌ عَلَى مِصْرَ, وَيَكُونُ فِي كُوشَ خَوْفٌ شَدِيدٌ عِنْدَ سُقُوطِ الْقَتْلَى فِي مِصْرَ, وَيَأْخُذُونَ ثَرْوَتَهَا وَتُهْدَمُ أُسُسُهَا. 5يَسْقُطُ مَعَهُمْ بِالسَّيْفِ كُوشُ وَفُوطُ وَلُودُ وَكُلُّ اللَّفِيفِ, وَكُوبُ وَبَنُو أَرْضِ الْعَهْدِ "

يستهل هذا الإصحاح بذكر " يَوْمٌ لِلرَّبِّ " – أي يوم غضب وقضاء ودينونة على مصر وبعض الأمم (وقت للأمم)- ويصفه بأنه يوم غيم ، أي يوم مهول ومخيف ويذكر الرب أسماء بعض الأمم التي سيحل عليها مع مصر سيف العقاب:
- كوش : وهي الحبشة، وسيقع الرعب عليها عند سقوط قتلى مصر.
- فوط ولود: كانا غرب مصر.
- كوب: ربما كانت بلاد النوبة.
- بنو أرض العهد: اليهود الذين إلتجأوا إلى مصر وأقاموا فيها.


ثانياً: الأرض المقفرة ( عد6-9 )
"6هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: وَيَسْقُطُ عَاضِدُو مِصْرَ وَتَنْحَطُّ كِبْرِيَاءُ عِزَّتِهَا. مِنْ مَجْدَلَ إِلَى أَسْوَانَ يَسْقُطُونَ فِيهَا بِالسَّيْفِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 7فَتُقْفِرُ فِي وَسَطِ الأَرَاضِي الْمُقْفِرَةِ, وَتَكُونُ مُدُنُهَا فِي وَسَطِ الْمُدُنِ الْخَرِبَةِ. 8فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ عِنْدَ إِضْرَامِي نَاراً فِي مِصْرَ وَيُكْسَرُ جَمِيعُ أَعْوَانِهَا. 9فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِي رُسُلٌ فِي سُفُنٍ لِتَخْوِيفِ كُوشَ الْمُطْمَئِنَّةِ, فَيَأْتِي عَلَيْهِمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ كَمَا فِي يَوْمِ مِصْرَ. لأَنَّهُ هُوَذَا يَأْتِي "

يذكر هنا مدناً معينة كانت في مصر، وكانت عتيدة أن يصيبها القصاص لكي يكسر كبرياءها فمن الشمال (مجدل) إلى الجنوب (أسوان) كان الناس سيسقطون قتلى السيف وتصير الأرض مقفرة والمدن خربة فيعرف الناس قدرة الرب ، إذ تشتعل نار غضب الله ، وينكسر جميع حلفائها وتنطلق هذه الأخبار – كأنها رسل في سفن- إلى كوش المطمئنة فيأتي عليها خوف عظيم وهكذا يكون سقوط فرعون نذير خطر وتهديد لكوش.


ثالثاً: نبوخذ نصر أداة عقاب ( عد10-12 )
"10هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أُبِيدُ ثَرْوَةَ مِصْرَ بِيَدِ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ. 11هُوَ وَشَعْبُهُ مَعَهُ عُتَاةُ الأُمَمِ يُؤْتَى بِهِمْ لِخَرَابِ الأَرْضِ, فَيُجَرِّدُونَ سُيُوفَهُمْ عَلَى مِصْرَ وَيَمْلأُونَ الأَرْضَ مِنَ الْقَتْلَى. 12وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَابِسَةً وَأَبِيعُ الأَرْضَ لِيَدِ الأَشْرَارِ وَأُخْرِبُ الأَرْضَ وَمِلأَهَا بِيَدِ الْغُرَبَاءِ. أَنَا الرَّبَّ تَكَلَّمْتُ "

تجتاح جيوش نبوخذ نصر ملك بابل أرض مصر ، فتزول ثروتها ، إذ أن رجاله العتاة يجردون سيوفهم على مصر ، فتمتلئ الأرض من القتلى وتجف روافد النهر (فروع الدلتا)، وتباع الأرض للأشرار والغرباء ويرث هؤلاء الغرباء ما كان لسكان وشعب مصر.


رابعاً: إبادة أصنامها (عد 13-19)
"13هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأُبِيدُ الأَصْنَامَ وَأُبَطِّلُ الأَوْثَانَ مِنْ نُوفَ. وَلاَ يَكُونُ بَعْدُ رَئِيسٌ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ, وَأُلْقِي الرُّعْبَ فِي أَرْضِ مِصْرَ. 14وَأُخْرِبُ فَتْرُوسَ وَأُضْرِمُ نَاراً في صُوعَنَ وَأُجْرِي أَحْكَاماً فِي نُوَ. 15وَأَسْكُبُ غَضَبِي عَلَى سِينَ حِصْنِ مِصْرَ, وَأَسْتَأْصِلُ جُمْهُورَ نُوَ. 16وَأُضْرِمُ نَاراً فِي مِصْرَ. سِينُ تَتَوَجَّعُ تَوَجُّعاً, وَنُوَ تَكُونُ لِلتَّمْزِيقِ وَلِنُوفَ ضِيقَاتٌ كُلَّ يَوْمٍ. 17شُبَّانُ آوَنَ وَفِيبِسْتَةَ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ وَهُمَا تَذْهَبَانِ إِلَى السَّبْيِ. 18وَيُظْلِمُ النَّهَارُ فِي تَحْفَنِيسَ عِنْدَ كَسْرِي أَنْيَارَ مِصْرَ هُنَاكَ. وَتَبْطُلُ فِيهَا كِبْرِيَاءُ عِزِّهَا. أَمَّا هِيَ فَتَغْشَاهَا سَحَابَةٌ وَتَذْهَبُ بَنَاتُهَا إِلَى السَّبْيِ. 19فَأُجْرِي أَحْكَاماً فِي مِصْرَ, فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ "

كانت مصر القديمة معقلاً للوثنية، وقد جاءت أحكام القضاء الإلهي على المدن التي تمركزت فيها تلك الأوثان الزائفة.
وقد ذكرت أولاً مدينة "نوف" (ممفيس)، وهي المدينة التي أقامها الملك مينا عندما وحد وجهى مصر، وكانت تقع قرب البدرشين الحالية وذكرت "فتروس" وهي عادة يقصد بها مصر العليا، و"صوعن" وكانت غالباً في الدلتا حيث كانت أرض جاسان التي أقام فيها بنو إسرائيل وهي الآن "صا الحجر".
وذكرت أيضاً "نو" وهي طيبة أو "الأقصر" الآن.
كما ذكرت "سين" ولعلها "تل الفرما" شمال شرق القنطرة.
وذكرت "آون" وهي التي أسماها اليونان "هليوبوليس"
وفيبستة ومكانها حالياً "تل بسطا" بجوار الزقازيق.
أما "تحفنحيس" فهي كانت في مكان يعرف حالياً بإسم "تل دفنة"- غرب مدينة القنطرة.
أما ما جاء في (عد 13) فهو بحسب الترجمة السبعينية "لأنه هكذا قال الرب الإله إني سأحطم شرفاء ممفيس وأمراءها من أرض مصر ولن يكونوا فيما بعد" ولعل كلمة "رئيس" تأتي هنا مرادفة لكلمة "صنم" حيث إن ذكرها هنا جاء بين الكلام عن أوثان نوف خاصة ومصر عامة.


خامساً: إنكسار فرعون بيد ملك بابل (عد 20-26)
" 20وَكَانَ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشَرَةَ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فِي السَّابِعِ مِنَ الشَّهْرِ أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ صَارَ إِلَيَّ: 21يَا ابْنَ آدَمَ, إِنِّي كَسَرْتُ ذِرَاعَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ, وَهَا هِيَ لَنْ تُجْبَرُ بِوَضْعِ رَفَائِدَ وَلاَ بِوَضْعِ عِصَابَةٍ لِتُجْبَرَ فَتُمْسِكَ السَّيْفَ. 22لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا عَلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ فَأُكَسِّرُ ذِرَاعَيْهِ الْقَوِيَّةَ وَالْمَكْسُورَةَ, وَأُسْقِطُ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ. 23وَأُشَتِّتُ الْمِصْرِيِّينَ بَيْنَ الأُمَمِ وَأُذَرِّيهِمْ فِي الأَرَاضِي. 24وَأُشَدِّدُ ذِرَاعَيْ مَلِكِ بَابِلَ وَأَجْعَلُ سَيْفِي فِي يَدِهِ. وَأُكَسِّرُ ذِرَاعَيْ فِرْعَوْنَ فَيَئِنُّ قُدَّامَهُ أَنِينَ الْجَرِيحِ. 25وَأُشَدِّدُ ذِرَاعَيْ مَلِكِ بَابِلَ. أَمَّا ذِرَاعَا فِرْعَوْنَ فَتَسْقُطَانِ, فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَجْعَلُ سَيْفِي فِي يَدِ مَلِكِ بَابِلَ فَيَمُدُّهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ. 26وَأُشَتِّتُ الْمِصْرِيِّينَ بَيْنَ الأُمَمِ وَأُذَرِّيهِمْ فِي الأَرَاضِي, فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ "


يعود النبي حزقيال إلى الكلام عن هزيمة فرعون، وكسر ذراعه بيد نبوخذ نصر ملك بابل، وما كان سيلحق بشعبة من تشتت.


الإصحاح الحادي والثلاثون
يشتمل هذا الإصحاح على مزيج من المجاز والحقيقة، ويشابه ما جاء في (ص 27) عن صور، كما يتكرر ذكر "جنة الله" و"عدن"، اللتين ورد ذكرهما في (ص28)، وقد تضمن من المعاني ما يتمشى مع (أش 14: 3-20)، ويدور محور الكلام فيه على زوال عظمة فرعون، ويرى معظم المفسرين أن الكلام هنا قد أشار إلى أشور التي قضى نبوخذ نصر على عظمتها، وكما حدث لها هكذا سيحدث أيضاً لفرعون:

وينقسم هذا الإصحاح إلى:
1. وصف تعاظم فرعون (عد 1-9)
2. السقوط نهاية الكبرياء (10-14)
3. مصير فرعون وجمهوره (عد 15-18)

أولاً: وصف تعاظم فرعون (عد 1-9)
"1وَكَانَ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشَرَةَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ: 2يَا ابْنَ آدَمَ, قُلْ لِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَجُمْهُورِهِ: مَنْ أَشْبَهْتَ فِي عَظَمَتِكَ؟ 3هُوَذَا أَعْلَى الأَرْزِ فِي لُبْنَانَ جَمِيلُ الأَغْصَانِ وَأَغْبَى الظِّلِّ وَقَامَتُهُ طَوِيلَةٌ وَكَانَ فَرْعُهُ بَيْنَ الْغُيُومِ. 4قَدْ عَظَّمَتْهُ الْمِيَاهُ وَرَفَعَهُ الْغَمْرُ. أَنْهَارُهُ جَرَتْ مِنْ حَوْلِ مَغْرِسِهِ وَأَرْسَلَتْ جَدَاوِلَهَا إِلَى كُلِّ أَشْجَارِ الْحَقْلِ. 5فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَتْ قَامَتُهُ عَلَى جَمِيعِ أَشْجَارِ الْحَقْلِ, وَكَثُرَتْ أَغْصَانُهُ وَطَالَتْ فُرُوعُهُ لِكَثْرَةِ الْمِيَاهِ إِذْ نَبَتَ. 6وَعَشَّشَتْ فِي أَغْصَانِهِ كُلُّ طُيُورِ السَّمَاءِ, وَتَحْتَ فُرُوعِهِ وَلَدَتْ كُلُّ حَيَوَانِ الْبَرِّ, وَسَكَنَ تَحْتَ ظِلِّهِ كُلُّ الأُمَمِ الْعَظِيمَةِ. 7فَكَانَ جَمِيلاً فِي عَظَمَتِهِ وَفِي طُولِ قُضْبَانِهِ, لأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ عَلَى مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. 8اَلأَرْزُ فِي جَنَّةِ اللَّهِ لَمْ يَفُقْهُ, السَّرْوُ لَمْ يُشْبِهْ أَغْصَانَهُ, وَالدُّلْبُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ فُرُوعِهِ. كُلُّ الأَشْجَارِ فِي جَنَّةِ اللَّهِ لَمْ تُشْبِهْهُ فِي حُسْنِهِ. 9جَعَلْتُهُ جَمِيلاً بِكَثْرَةِ قُضْبَانِهِ حَتَّى حَسَدَتْهُ كُلُّ أَشْجَارِ عَدْنٍ الَّتِي فِي جَنَّةِ اللَّهِ "
تتضمن هذه الأعداد قصيدة لحزقيال، يصور فيها فرعون وجمهوره بما يشبه شجرة أرز هائلة ترتفع أغصانها إلى السحاب، وترويها مياه الغمر، وقد عششت في أغصانها كل طيور السماء، وتحت فروعها ولدت كل حيوان البر، وتحت ظلها سكنت كل الأمم العظيمة، وفي عظمة هذه الأرزة تفوقت على أشجار جنة عدن جنة الله.

(عد1):
التاريخ المذكور هنا هو أول الشهر الثالث من السنة الحادية عشرة أي بعد التاريخ المذكور في (ص30: 20) بشهرين إلا ستة أيام، الذي أنبأ فيه حزقيال بكسر ذراع فرعون مصر، والتاريخ هنا يرجع إلى شهر يونيه سنة 586 ق.م. قبل سقوط أورشليم بشهرين تقريباً.

(عد 2):
كان على حزقيال النبي أن يخاطب فرعون وجمهوره بسؤال يستهل به تشبيهاً له في عظمته، وبنفس السؤال تقريباً يختتم هذا الإصحاح.

(عد3):
" هُوَذَا أَعْلَى الأَرْزِ فِي لُبْنَانَ "
يتمسك البعض بترجمة “ashshar erez” إلى " أرزة عالية " بينما ترجمت هذه الفقرة إلى " هوذا أشور كان أرزاً" (حاشية الكتاب المشوهد) والذين يأخذون بالقراءة الثانية يطبقون ما جاء في وصف تلك الأرزة الغير العادية على أشور التي زالت عظمتها على أيدي البابليين، كمثال لما كان عتيداً أن يحدث لفرعون مصر، ولكن يفضل الكثيرون الأخذ بالقراء الأولى إستناداً إلى ما جاء في (عد18) وتعني عبارة " أَغْبَى الظِّلِّ " كثيف الظل.

(عد4-9):
تأتي هذه الأعداد بأوصاف غير عادية لشجرة أرز جبارة عالمية تُصِوّر بطريقة مجازية كبرياء فرعون وتشامخه.
ومثل هذا التشبيه قد جاء في (دا ص4) الذي وصف فيه نبوخذ نصر بمثل هذه الشجرة، كما ذكر الرب يسوع مثل حبة الخردل التي نمت وصارت شجرة تأتي وتتآوى في أغصانها طيور السماء (مت 13: 31-32)، تشبيهاً لملكوت السموات.
ويشير إرتفاع الأرز (80 قدماً) إلى الكبرياء، والمياه والغمر تشير إلى مياه النيل ( أو نهري دجلة والفرات) ولعل "طيور السماء" (عد6) ترمز إلى الأمم التي خضعت إما لفرعون (أو لأشور).


ثانياً: السقوط نهاية الكبرياء (10-14)
"10لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ ارْتَفَعَتْ قَامَتُكَ وَقَدْ جَعَلَ فَرْعَهُ بَيْنَ الْغُيُومِ وَارْتَفَعَ قَلْبُهُ بِعُلُوِّهِ, 11أَسْلَمْتُهُ إِلَى يَدِ قَوِيِّ الأُمَمِ فَيَفْعَلُ بِهِ فِعْلاً. لِشَرِّهِ طَرَدْتُهُ. 12وَيَسْتَأْصِلُهُ الْغُرَبَاءُ عُتَاةُ الأُمَمِ وَيَتْرُكُونَهُ, فَتَتَسَاقَطُ قُضْبَانُهُ عَلَى الْجِبَالِ وَفِي جَمِيعِ الأَوْدِيَةِ, وَتَنْكَسِرُ قُضْبَانُهُ عِنْدَ كُلِّ أَنْهَارِ الأَرْضِ, وَيَنْزِلُ عَنْ ظِلِّهِ كُلُّ شُعُوبِ الأَرْضِ وَيَتْرُكُونَهُ. 13عَلَى هَشِيمِهِ تَسْتَقِرُّ جَمِيعُ طُيُورِ السَّمَاءِ, وَجَمِيعُ حَيَوَانِ الْبَرِّ تَكُونُ عَلَى قُضْبَانِهِ. 14لِكَيْلاَ تَرْتَفِعَ شَجَرَةٌ مَا وَهِيَ عَلَى الْمِيَاهِ لِقَامَتِهَا, وَلاَ تَجْعَلُ فَرْعَهَا بَيْنَ الْغُيُومِ, وَلاَ تَقُومُ بَلُّوطَاتُهَا فِي ارْتِفَاعِهَا كُلُّ شَارِبَةٍ مَاءً, لأَنَّهَا قَدْ أُسْلِمَتْ جَمِيعاً إِلَى الْمَوْتِ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى فِي وَسَطِ بَنِي آدَمَ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ "

يستخدم النبي بالتبادل ضميري المخاطب والغائب بما يتفق مع مزج الحقيقة بالمجاز، وارتفاع القلب (عد10) يوضح أن المقصود هو تشامخ الروح الذي شبهه بإرتفاع الأرز، و قَوِيِّ الأُمَمِ (عد 11) هو نبوخذ نصر الذي إستخدمه الرب لتنفيذ مقاصده الإلهية.
ويصف العددان (12، 13) نهاية خطية التجبر والكبرياء بسقوط وإندحار أصحابهما، فهم كشجرة الأرز التي كانت في قمة العلو والارتفاع، وقد هوت إلى الأرض فسقطت أغصانها على الجبال وفي الوديان وتحطمت فروعها، وهجرت ظلها كل شعوب الأرض، وعلى حطامها إستقرت طيور السماء، وعلى فروعها ربضت الحيوانات. وفي (عد 14) ينتقل حزقيال من المجاز إلى الحقيقة بإعطاء العبرة والدرس القاسي لكل من يُضرَب بضربة الكبرياء، فينزل إلى الهاوية.


ثالثاً: مصير فرعون وجمهوره (عد15-18)
"15فِي يَوْمِ نُزُولِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ أَقَمْتُ نَوْحاً. كَسَوْتُ عَلَيْهِ الْغَمْرَ وَمَنَعْتُ أَنْهَارَهُ وَفَنِيَتِ الْمِيَاهُ الْكَثِيرَةُ, وَأَحْزَنْتُ لُبْنَانَ عَلَيْهِ, وَكُلُّ أَشْجَارِ الْحَقْلِ ذَبُلَتْ عَلَيْهِ. 16مِنْ صَوْتِ سُقُوطِهِ أَرْجَفْتُ الأُمَمَ عِنْدَ إِنْزَالِي إِيَّاهُ إِلَى الْهَاوِيَةِ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ, فَتَتَعَزَّى فِي الأَرْضِ السُّفْلَى كُلُّ أَشْجَارِ عَدْنٍ مُخْتَارُ لُبْنَانَ وَخِيَارُهُ كُلُّ شَارِبَةٍ مَاءً. 17هُمْ أَيْضاً نَزَلُوا إِلَى الْهَاوِيَةِ مَعَهُ, إِلَى الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ, وَزَرْعُهُ السَّاكِنُونَ تَحْتَ ظِلِّهِ فِي وَسَطِ الأُمَمِ. 18مَنْ أَشْبَهْتَ فِي الْمَجْدِ وَالْعَظَمَةِ هَكَذَا بَيْنَ أَشْجَارِ عَدْنٍ؟ سَتُحْدَرُ مَعَ أَشْجَارِ عَدْنٍ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى, وَتَضْطَجِعُ بَيْنَ الْغُلْفِ مَعَ الْمَقْتُولِينَ بِالسَّيْفِ. هَذَا فِرْعَوْنُ وَكُلُّ جُمْهُورِهِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ "

تصف هذه الأعداد بعبارات مليئة بالأسى ، ذلك المصير الأليم الذي ينتهي إليه فرعون وأعوانه، فهو ينزل إلى الهاوية بالنوح الذي يعم الطبيعة، ولعل المقصود بعبارة " كَسَوْتُ عَلَيْهِ الْغَمْرَ " انه كما يغطي الباكون رؤوسهم علامة على الحزن، هكذا صار الغمر الذي كان يروي الأرزة يكسوه بالحزن، وعند هبوطه إلى الهاوية "تتعزى كل أشجار عدن" أي تجد الأمم تعزيتها في مشاركة فرعون لها في هبوطها للهاوية وفي عبارة " تَضْطَجِعُ بَيْنَ الْغُلْفِ " تحقير لفرعون لأن المصريين كانوا يمارسون الختان.

الإصحاح الثاني والثلاثون
يشتمل هذا الأصحاح على قسمين يتناولان مرثاتين:
1. مرثاة على نهاية فرعون وإندحاره (عد1-16).
2. مرثاة على هبوط فرعون وجمهوره مع الأمم إلى الجب (عد17-32)

أولاً: مرثاة على هبوط فرعون وإندحاره (عد1-16)
يرجع تاريخ هذه المرثاة إلى ما جاء في ص31 بعشرين شهراً، أي بعد سقوط أورشليم (سنة 586 ق.م.) بثمانية عشر شهراً.
وفي هذه المرثاة نرى:
أ. القضاء على فرعون (عد 1-10).
ب. سيف ملك بابل عليه (عد11-16).
أ. القضاء على فرعون (عد 1-10)

"1وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَشَرَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ صَارَ إِلَيَّ: 2يَا ابْنَ آدَمَ, ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَقُلْ لَهُ: أَشْبَهْتَ شِبْلَ الأُمَمِ وَأَنْتَ نَظِيرُ تِمْسَاحٍ فِي الْبِحَارِ. انْدَفَقْتَ بِأَنْهَارِكَ وَكَدَّرْتَ الْمَاءَ بِرِجْلَيْكَ وَعَكَّرْتَ أَنْهَارَهُمْ. 3هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أَبْسُطُ عَلَيْكَ شَبَكَتِي مَعَ جَمَاعَةِ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ, وَهُمْ يُصْعِدُونَكَ فِي مِجْزَفَتِي 4وَأَتْرُكُكَ عَلَى الأَرْضِ وَأَطْرَحُكَ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ وَأُقِرُّ عَلَيْكَ كُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ وَأُشْبِعُ مِنْكَ وُحُوشَ الأَرْضِ كُلَّهَا. 5وَأُلْقِي لَحْمَكَ عَلَى الْجِبَالِ, وَأَمْلأُ الأَوْدِيَةَ مِنْ جِيَفِكَ. 6وَأَسْقِي أَرْضَ فَيَضَانِكَ مِنْ دَمِكَ إِلَى الْجِبَالِ, وَتَمْتَلِئُ مِنْكَ الآفَاقُ. 7وَعِنْدَ إِطْفَائِي إِيَّاكَ أَحْجُبُ السَّمَاوَاتِ وَأُظْلِمُ نُجُومَهَا, وَأُغْشِي الشَّمْسَ بِسَحَابٍ, وَالْقَمَرُ لاَ يُضِيءُ ضُوءَهُ. 8وَأُظْلِمُ فَوْقَكَ كُلَّ أَنْوَارِ السَّمَاءِ الْمُنِيرَةِ, وَأَجْعَلُ الظُّلْمَةَ عَلَى أَرْضِكَ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 9وَأَغُمُّ قُلُوبَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ عِنْدَ إِتْيَانِي بِكَسْرِكَ بَيْنَ الأُمَمِ فِي أَرَاضٍ لَمْ تَعْرِفْهَا. 10وَأُحَيِّرُ مِنْكَ شُعُوباً كَثِيرِينَ, مُلُوكُهُمْ يَقْشَعِرُّونَ عَلَيْكَ اقْشِعْرَاراً عِنْدَمَا أَخْطِرُ بِسَيْفِي قُدَّامَ وُجُوهِهِمْ, فَيَرْجِفُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْسِهِ فِي يَوْمِ سُقُوطِكَ "

(عد 2):
يُشّبه فرعون بشبل أسد في قوته وجبروته، كما يُشَّبه أيضاً بالتمساح الذي كَدَّر الماء برجليه وعَكَر الأنهار أي أزعج حياة الأمم حوله ويفيد تشبيهه بالأسد والتمساح معاً، أنه فرض قوته براً وبحراً.

(عد 3):
يستخدم الرب جماعة شعوب كثيرة لإصطياد فرعون، كما بشبكة (مجزفة) والشعوب الكثيرة تمثلت في جنود بابل.

(عد 4-6):
يتركه الرب على الأرض ويطرحه على وجه الحقل، أي أنه يفقد قوته كما يفقد السمك حياته بعيداً عن الماء، ويقر عليه كل طيور السماء ويشبع منه وحوش الأرض، أي يصير نهباً للناهبين، ويلقي لحمه على الجبال، ويملأ الأودية من جيفه، أي يصير فريسة لأعدائه، ويسقي الأرض من دم القتلى الذي يرتفع حتى يبلغ الجبال وتمتلئ منه الآفاق ، وهنا إشارة إلى الضربة الأولى التي أجراها الرب على يد موسى (خر 7: 19).

عد (7-8):
يتغير تشبيه فرعون هنا من حيوان بحري إلى "نجم" يطفئه الرب تعبيراً مجازياً عن زوال مجده، ويتبعه في ذلك إظلام النجوم وحجب ضوء الشمس والقمر وكل أنوار السماء، وهذه كلها تشير إلى قوى فرعون، وأصحاب السلطات والحكام من أعوانه الذين تزول عنهم مراكزهم وقوتهم.

(عد9-10):
يشير سقوط فرعون مشاعر الخوف والحيرة لدى الأمم المتاخمة لمصر، إذ يشعرون بدنو سقوطهم ودينونتهم.

ب. سيف ملك بابل عليه (عد11-16)
"11لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: سَيْفُ مَلِكِ بَابِلَ يَأْتِي عَلَيْكَ. 12بِسُيُوفِ الْجَبَابِرَةِ أُسْقِطُ جُمْهُورَكَ. كُلُّهُمْ عُتَاةُ الأُمَمِ فَيَسْلُبُونَ كِبْرِيَاءَ مِصْرَ وَيَهْلِكُ كُلُّ جُمْهُورِهَا. 13وَأُبِيدُ جَمِيعَ بَهَائِمِهَا عَنِ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ, فَلاَ تُكَدِّرُهَا مِنْ بَعْدُ رِجْلُ إِنْسَانٍ, وَلاَ تُعَكِّرُهَا أَظْلاَفُ بَهِيمَةٍ. 14حِينَئِذٍ أُنْضِبُ مِيَاهَهُمْ وَأُجْرِي أَنْهَارَهُمْ كَالزَّيْتِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 15حِينَ أَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ خَرَاباً, وَتَخْلُو الأَرْضُ مِنْ مِلْئِهَا. عِنْدَ ضَرْبِي جَمِيعَ سُكَّانِهَا يَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. 16هَذِهِ مَرْثَاةٌ يَرْثُونَ بِهَا. بَنَاتُ الأُمَمِ تَرْثُو بِهَا. عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ جُمْهُورِهَا تَرْثُو بِهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ "

كما أنبأ أرميا بأن ملك بابل سيكون عصا الرب لتأديب فرعون (46: 26) هكذا يخبر حزقيال بذلك فينتزعون كبرياء مصر، ويهلكون جمهورها، وبهائمها فلا يعود يوجد ما يعكر مياهها، فتصير مياههم صافية وأنهارهم تجري بنعومة الزيت، وحينئذ يسمع صوت الرثاء والنوح على مصر في كل مكان.


ثانياً: مرثاة على هبوط فرعون وجمهوره مع الأمم إلى الجب
(عد17-32)
" 17وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ فِي الْخَامِسِ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ: 18يَا ابْنَ آدَمَ, وَلْوِلْ عَلَى جُمْهُورِ مِصْرَ وَأَحْدِرْهُ هُوَ وَبَنَاتِ الأُمَمِ الْعَظِيمَةِ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. 19مِمَّنْ نَعِمْتَ أَكْثَرَ؟ انْزِلْ وَاضْطَجِعْ مَعَ الْغُلْفِ. 20يَسْقُطُونَ فِي وَسَطِ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ. قَدْ أُسْلِمَ السَّيْفُ. أَمْسِكُوهَا مَعَ كُلِّ جُمْهُورِهَا. 21يُكَلِّمُهُ أَقْوِيَاءُ الْجَبَابِرَةِ مِنْ وَسَطِ الْهَاوِيَةِ مَعَ أَعْوَانِهِ. قَدْ نَزَلُوا. اضْطَجَعُوا غُلْفاً قَتْلَى بِالسَّيْفِ. 22هُنَاكَ أَشُّورُ وَكُلُّ جَمَاعَتِهَا. قُبُورُهُ مِنْ حَوْلِهِ. كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ. 23اَلَّذِينَ جُعِلَتْ قُبُورُهُمْ فِي أَسَافِلِ الْجُبِّ وَجَمَاعَتُهَا حَوْلَ قَبْرِهَا, كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ الَّذِينَ جَعَلُوا رُعْباً فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. 24هُنَاكَ عِيلاَمُ وَكُلُّ جُمْهُورِهَا حَوْلَ قَبْرِهَا, كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ الَّذِينَ هَبَطُوا غُلْفاً إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى, الَّذِينَ جَعَلُوا رُعْبَهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. فَحَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. 25قَدْ جَعَلُوا لَهَا مَضْجَعاً بَيْنَ الْقَتْلَى مَعَ كُلِّ جُمْهُورِهَا. حَوْلَهُ قُبُورُهُمْ كُلُّهُمْ غُلْفٌ قَتْلَى بِالسَّيْفِ, مَعَ أَنَّهُ قَدْ جُعِلَ رُعْبُهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. قَدْ حَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. قَدْ جُعِلَ فِي وَسَطِ الْقَتْلَى. 26هُنَاكَ مَاشِكُ وَتُوبَالُ وَكُلُّ جُمْهُورِهَا. حَوْلَهُ قُبُورُهَا. كُلُّهُمْ غُلْفٌ قَتْلَى بِالسَّيْفِ, مَعَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا رُعْبَهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. 27وَلاَ يَضْطَجِعُونَ مَعَ الْجَبَابِرَةِ السَّاقِطِينَ مِنَ الْغُلْفِ النَّازِلِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ بِأَدَوَاتِ حَرْبِهِمْ, وَقَدْ وُضِعَتْ سُيُوفُهُمْ تَحْتَ رُؤُوسِهِمْ, فَتَكُونُ آثَامُهُمْ عَلَى عِظَامِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ رُعْبُ الْجَبَابِرَةِ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. 28أَمَّا أَنْتَ فَفِي وَسَطِ الْغُلْفِ تَنْكَسِرُ وَتَضْطَجِعُ مَعَ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ. 29هُنَاكَ أَدُومُ وَمُلُوكُهَا وَكُلُّ رُؤَسَائِهَا الَّذِينَ مَعَ جَبَرُوتِهِمْ قَدْ أُلْقُوا مَعَ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ, فَيَضْطَجِعُونَ مَعَ الْغُلْفِ وَمَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. 30هُنَاكَ أُمَرَاءُ الشِّمَالِ كُلُّهُمْ وَجَمِيعُ الصَّيْدُونِيِّينَ الْهَابِطِينَ مَعَ الْقَتْلَى بِرُعْبِهِمْ, خَزُوا مِنْ جَبَرُوتِهِمْ وَاضْطَجَعُوا غُلْفاً مَعَ قَتْلَى السَّيْفِ, وَحَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ إِلَى الْجُبِّ. 31يَرَاهُمْ فِرْعَوْنُ وَيَتَعَزَّى عَنْ كُلِّ جُمْهُورِهِ. فِرْعَوْنُ وَكُلُّ جُمْهُورِهِ قَتْلَى بِالسَّيْفِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 32لأَنِّي جَعَلْتُ رُعْبَهُ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ, فَيُضْجَعُ بَيْنَ الْغُلْفِ مَعَ قَتْلَى السَّيْفِ, فِرْعَوْنُ وَكُلُّ جُمْهُورِهِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ "

جاءت هذه المرثاة بعد إسبوعين من سابقتها، وفيها تُذكَر أمم أخرى كان مصيرها الخراب الشامل، الذي كان عتيداً أن يحدث لبلاد فرعون، والتعبير المتكرر عن مصير هذه الأمم و فرعون و جمهوره هو " الهبوط إلى الجب – أى الهاوية " و هذه الأمم هي:
- أشور: كانت قد زالت إمبراطوريتها على أيدي نبوخذ نصر.
- عيلام: وهي بلاد فارس قديماً وكان قد سبق خرابها على يد نبوخذ نصر.
- ماشك وتوبال: وكانتا متاخمتين للبحر الأسود وقد هزمت جيوشهما أمام جيوش نبوخذ نصر، ثم ذابتا في الإمبراطورية الروسية.
- أدوم وصيدون: وقد سبق التنبوء والكلام عنهما.