سؤال: اود ان تشرح لي لماذا اخذ اليهود فترة اربعين سنة للخروج من مصر إلا فلسطين إستنادًا إلى الآية: "واكل بنو اسرائيل المن اربعين سنه حتي جاءوا الي ارض عامره" الخروج [16]




الإجابة:

ها هي الآية التي ذكرتها في السؤال: "وَأَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْمَنَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى جَاءُوا إِلَى أَرْضٍ عَامِرَةٍ. أَكَلُوا الْمَنَّ حَتَّى جَاءُوا إِلَى طَرَفِ أَرْضِ كَنْعَانَ" (سفر الخروج 16: 35). ولكن كالعادة - يجب عدم الاعتماد على آية واحدة فقط في الكتاب المقدس، بدون وضع بقية الآيات المتعلقة بالموضوع في نفس الإطار، حتى تستطيع أن تلم الصورة كاملة عن الموضوع.. فلا يصح مثلًا أن تسأل أحدًا عن طريقة عمل نوع من أنواع الأطعمة المطبوخة، فيقول لك اسم صنف واحد فقط من المقادير، بدون أن يعطيك كل المقادير مع أوزانها المقترحة والحرارة المطلوبة والمدة المستغرقة على النار.. إلخ.

نحن فقط نود توضيح هذه النقطة الهامة، لنعرف كيف ننظر إلى الأمور نظرة عامة ومتكاملة، وليس فقط بناءً على معلومة واحدة فقط..
نعود الآن إلى السؤال.. فبالطبع منطقيًا لا تستغرق المدة الزمنية -حتى وإن كانت سيرًا على الأقدام- من مصر إلى أطراف أرض كنعان 40 سنة. ولكن الله نفسه هو الذي أتاههم في البرية كل هذه الفترة، وتعطلوا بسبب أحداث كثيرة حدثت، وسمح الله بكل هذا بسبب تمرد الشعب وخطاياهم، لدرجة أن
حتى موسى نفسه لم يدخل أرض الميعاد بسبب خطية له..
فنرى الكتاب يقول في هذا صراحة -وفي أكثر من موضع- سبب طول هذه المدة، وهي بسبب خطايا الشعب المتذمر والصلب الرقبة، حتى يفنيهم الرب في البرية، ويدخل الأجيال الجديدة فقط إلى أرض الميعاد:



  • "فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَتَاهَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، حَتَّى فَنِيَ كُلُّ الْجِيلِ الَّذِي فَعَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ" (سفر العدد 32: 13).
  • "وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟" (سفر التثنية 8: 2).
  • "لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَارُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ حَتَّى فَنِيَ جَمِيعُ الشَّعْبِ، رِجَالُ الْحَرْبِ الْخَارِجِينَ مِنْ مِصْرَ، الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِ الرَّبِّ، الَّذِينَ حَلَفَ الرَّبُّ لَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُرِيهِمِ الأَرْضَ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِهِمْ أَنْ يُعْطِيَنَا إِيَّاهَا، الأَرْضَ الَّتِي تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا." (سفر يشوع 5: 6).


ويؤكد الرسول بولس هذا الأمر بصيغة أخرى فيقول:



  • "لِذلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ، حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي».. إِذْ قِيلَ: «الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ». فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟ وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ: «لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ»، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ" (رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 3: 7-11، 15-19).

بل حتى في طوال فترة تلك الأربعين سنة لم يكف الشعب عن التذمر والتسجس: "وَنَحْوَ مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، احْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ" (سفر أعمال الرسل 13: 18). اضغط هنا لتقرأ بنفسك أيضًا في الأصحاحات 13-14 من سفر العدد حول المزيد من تذمر الشعب على موسى، بل ودخوله كنعان بدون سماح، وسقوطهم هناك أمام العماليق والكنعانيين.. ثم تجد لاحقًا في نفس السفر التذمر في ماء مريبة.. إلى غير ذلك..

نقطة أخرى نراها في بداية فترة خروج الإسرائيليين من أرض مصر، حيث يقول الكتاب: "وَكَانَ لَمَّا أَطْلَقَ فِرْعَوْنُ الشَّعْبَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَهْدِهِمْ فِي طَرِيقِ أَرْضِ الْفَلَسْطِينِيِّينَ مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ، لأَنَّ اللهَ قَالَ: «لِئَلاَّ يَنْدَمَ الشَّعْبُ إِذَا رَأَوْا حَرْبًا وَيَرْجِعُوا إِلَى مِصْرَ، فَأَدَارَ اللهُ الشَّعْبَ فِي طَرِيقِ بَرِّيَّةِ بَحْرِ سُوفٍ" (سفرالخروج 13: 17، 18).
ونرى تذمرات عديدة ومتكررةللشعب الإسرائيلي، لدرجة أن قال الرب بعد شكهم فيه حول أمر أخذهم كنعان بعد إرسال الجواسيس إليها: "11 وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «حَتَّى مَتَى يُهِينُنِي هذَا الشَّعْبُ؟ وَحَتَّى مَتَى لاَ يُصَدِّقُونَنِي بِجَمِيعِ الآيَاتِ الَّتِي عَمِلْتُ فِي وَسَطِهِمْ؟ إِنِّي أَضْرِبُهُمْ بِالْوَبَإِ وَأُبِيدُهُمْ، وَأُصَيِّرُكَ شَعْبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهُمْ».. حَيٌّ أَنَا فَتُمْلأُ كُلُّ الأَرْضِ مِنْ مَجْدِ الرَّبِّ، إِنَّ جَمِيعَ الرِّجَالِ الَّذِينَ رَأَوْا مَجْدِي وَآيَاتِي الَّتِي عَمِلْتُهَا فِي مِصْرَ وَفِي الْبَرِّيَّةِ، وَجَرَّبُونِي الآنَ عَشَرَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِي، لَنْ يَرَوْا الأَرْضَ الَّتِي حَلَفْتُ لآبَائِهِمْ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ أَهَانُونِي لاَ يَرَوْنَهَا" (سفر العدد 14: 11، 12؛ 21-23).. لدرجة أن الرب أسماهم بعدها "بَنِي التَّمَرُّدِ" (سفر العدد 17: 10)، و"الْمَرَدَةُ" (سفر العدد 20: 10)، و:"أُمَّةٍ مُتَمَرِّدَةٍ" (سفر حزقيال 2: 3)!

وعلى الجانب الآخر، لم يكن سير الشعب في البرية في خط مباشر، ولا كانت الرحلة تسير يوميًا.. بل ساروا في الأغلب على حدود الأرض بجانب البحر، وكانت بالتأكيد هناك إقامة طويلة من مكان لآخر، تستغرق أسابيع وربما شهور في كل مكان منهم.. وكانوا يقيمون في بعض الأماكن شهورًا للحياة والاستقرار وإنجاب الأولاد أو الحفاظ على صحة الأمهات الحوامل أو المرضعات.. إلخ.

بل وحدث أكثر من مرة حوادث إفناء جماعية لبني إسرائيل قبل دخولهم أرض الموعد بسبب خطاياهم المتكررة.. منها ما حدث بعد عبادة العجل الذهبي فوقع 3000 رجل (سفر الخروج 32: 28)، وحادثة تسجيس جماعة قورح وأبيرام وداثان للشعب ومقتل 250 من الشعب في ذلك اليوم (سفر العدد 16: 31-33)، والتي تبعها تذمر كل جماعة بني إسرائيل على الرب وعلى موسى بسبب موت هؤلاء، والتي أدت لعقاب الرب للشعب بالوبإ، فمات منهم بسببه 14700 شخص (سفر العدد 16: 49)، وموت كثيرون من الشعب بسبب الحياة المُحرِقة (سفر العدد 21: 6)..

فكل هذا التيه في البرية الذي قصده الرب كان حتى يفنى جميع الغير مؤمنين، الذين كانوا بالغين بالفعل في فترة الخروج من أرض مصر، المتذمرون على الله وعلى نبيه، ودخل أرض الموعد الذين كانوا صغارًا حينئذ ولا ذنب لهم، أو الذين ولدوا عبر السنوات في أرض التيه..
وأخيرًا نعرض كذلك أمرًا آخرًا متعلقًا بهذا الموضوع، وهو توقيتات ثبات أو ارتحال بني إسرائيل، وهذه الآيات توضح أنهم كانوا يبقون في مكانٍ واحدًا أحيانًا لمدة شهور أو سنة.. فنقرأ في (سفر العدد 9: 15-23) التالي: "وَفِي يَوْمِ إِقَامَةِ الْمَسْكَنِ، غَطَّتِ السَّحَابَةُ الْمَسْكَنَ، خَيْمَةَ الشَّهَادَةِ. وَفِي الْمَسَاءِ كَانَ عَلَى الْمَسْكَنِ كَمَنْظَرِ نَارٍ إِلَى الصَّبَاحِ. هكَذَا كَانَ دَائِمًا. السَّحَابَةُ تُغَطِّيهِ وَمَنْظَرُ النَّارِ لَيْلًا. وَمَتَى ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ كَانَ بَعْدَ ذلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَفِي الْمَكَانِ حَيْثُ حَلَّتِ السَّحَابَةُ هُنَاكَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ. حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ. جَمِيعَ أَيَّامِ حُلُولِ السَّحَابَةِ عَلَى الْمَسْكَنِ كَانُوا يَنْزِلُونَ. وَإِذَا تَمَادَتِ السَّحَابَةُ عَلَى الْمَسْكَنِ أَيَّامًا كَثِيرَةً كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَةَ الرَّبِّ وَلاَ يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ السَّحَابَةُ أَيَّامًا قَلِيلَةً عَلَى الْمَسْكَنِ، فَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ السَّحَابَةُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ فِي الصَّبَاحِ، كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، مَتَى تَمَادَتِ السَّحَابَةُ عَلَى الْمَسْكَنِ حَالَّةً عَلَيْهِ، كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ وَلاَ يَرْتَحِلُونَ. وَمَتَى ارْتَفَعَتْ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. وَكَانُوا يَحْرُسُونَ حِرَاسَةَ الرَّبِّ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ بِيَدِ مُوسَى".

وهناك أيضًا بعض الأحداث الفردية التي كانت تؤجل ارتحال الشعب، بخلاف ارتحالهم بحسب السحابة.. فنرى مثلًا انتظار الشعب لعودة مريم أخت موسى من الحجز خارج المحلة سبعة أيام بسبب ضربها بالبرص، وذلك بعد تذمرها وأخيها هارون على موسى النبي بسبب اعتراضهم على زواجه من المرأة الكوشية.