الأيقونة
أيقونة السيد المسيح على المنديل



لقد ترك السيد المسيح صورته مطبوعة على المنديل "Mandilum"وعلى الكفن المقدس. وقد انطبعت بصورة معجزية تذكارًا للأجيال. وعنها أخذ الفنانون على مدى العصور مثال صورة وجه السيد المسيح.
ويحرص الأرثوذكس البيزنطيون في الفن الخاص بأيقوناتهم أن يكون وجه السيد المسيح أقرب ما يكون للوجه المطبوع على المنديل وعلى الكفن المقدس.
لقد ترك السيد المسيح للأجيال المتعاقبة كلامه مدوناً في الأناجيل المقدسة وصورته على المنديل والكفن المقدس لأنه سبق أن قال لتلاميذه: "إن أنبياءَ وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع" (مت13: 17، 16).
إذن فقد طوّب السيد المسيح في العهد الجديد كلاً من الرؤية والسمع لِما يخص أعماله، وأقواله، وظهوره، وتعاليمه.
وعن هذه الطوبى كتب القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى "الذى سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1يو1: 1). وقد حفظت الكنائس الأرثوذكسية هذا التقليد الرسولى الذي استلمته الكنيسة من السيد المسيح.
وصارت الكنيسة تحتفل وترفع البخور وتوقد الشموع أثناء قراءة الإنجيل المقدس لأنه كلام السيد المسيح. ويقول الشماس: (قفوا بخوف أمام الله، وانصتوا لسماع الإنجيل المقدس). ويقول الأب الكاهن: (مبارك الآتى باسم الرب؛ ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح..). كما أنها صارت تحتفل وترفع البخور وتوقد الشموع أو القناديل أمام أيقونة السيد المسيح؛ وبخاصة أيقونة الصلبوت التي تحمل ذِكرى آلامه. والتي يصل الاحتفال بها في يوم الجمعة العظيمة إلى الذروة.
ويتلو ذلك تكريم أيقونة الدفن في نهاية الصلوات إلى فجر الأحد حينما يبدأ تكريم أيقونة القيامة لمدة أربعين يوماً وتضاف إليها أيقونة الصعود في عيد الصعود إلى صلوات رفع بخور أحد العنصرة في يوم الخمسين.

وبهذا يسير الأمران معاً: الرؤية (للأيقونة)، والسمع (عند قراءة الإنجيل) تماماً كما قصد السيد المسيح "طوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع" (مت13: 16).
أليست الكنيسة ككل هى أيقونة السماء على الأرض. فكيف لا تحوى أيقونة للسيد المسيح؟!
وكما إننا لا نقدم العبادة لكتاب الإنجيل كما لو كان هو الله الكلمة وليس كلمة الله المدوّنة في الكتب المقدسة، هكذا فنحن لا نعبد أيقونة السيد المسيح وكأنها هى السيد المسيح نفسه.
إن تكريم الأيقونات Veneration of Icons لا يتعارض إطلاقاً مع الوصية. ففي الوصايا العشر قال الرب لشعبه في القديم "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن" (خر20: 4، 5). أي أن ما نهى عنه الرب في الوصية هو عبادة الصور والتماثيل التي يعبدها الوثنيون وكأنها الآلهة التي يُقدّم لها السجود.
ولكن من الجانب الآخر؛ أمر الرب موسى النبي بأن يصنع من خراطة الذهب كروبين (أى ملاكين) فوق غطاء تابوت العهد يتجهان الواحد نحو الآخر؛ وينظران نحو غطاء التابوت ويبسطان أجنحتهما (انظر خر37: 6-9) حتى تلامس أجنحة الواحد منهما الآخر فوق غطاء التابوت.



وكان تابوت العهد في قدس الأقداس. وكان مجد الرب يتراءى لموسى فوق غطاء التابوت تحت جناحى الكروبين؛ وكان موسى يسمع صوت الرب وهو يكلّمه "من على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبين" (عد 7: 89). وفى عهد سليمان الملك عند تدشين الهيكل في أورشليم حينما "أدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه في محراب البيت في قدس الأقداس إلى تحت جناحى الكروبين. لأن الكروبين بسطا أجنحتهما على موضع التابوت وظلل الكروبان التابوت وعصيه من فوق" (1مل8: 6، 7)، قيل "أن السحاب ملأ بيت الرب. ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملأ بيت الرب" (1مل8: 10، 11).
وكان العابدون من الشعب يدخلون إلى الهيكل وهم يرددون: "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" (مز5: 7)، كما ذكرنا أيضاً هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. لم تكن العبادة تقدَّم للكروبيم؛ بل للرب الساكن في بيته المقدس والساكن في السماوات، والذي سماء السماوات لا تسعه.
وكان في القدس مذبح البخور والكهنة يبخرون في وجود تابوت العهد والكروبيم (انظر 1مل 6: 23-28) ونقش الكروبيم على ستور خيمة الاجتماع وعلى جدران الهيكل "وجميع حيطان البيت في مستديرها رسمها نقشاً بنقر كروبيم ونخيل وبراعم زهور من داخل ومن خارج" (1مل6: 29). "والمصراعان من خشب الزيتون ورسم عليهما نقش كروبيم ونخيل وبراعم زهور" (1مل 6: 32) ولم يعتبر هذا كله مخالفاً للوصية..
إن الأيقونة المدشّنة بالميرون هى (ميناء خلاص لكل من يلجأ إليها بإيمان) (من طقس تدشين الأيقونة) هى مثل جهاز التليفون إذا تم توصيل الحرارة إليه وتحمل رقم القديس صاحب الأيقونة.
الصلاة تصل إلى السماوات. والبخور هو العلامة المنظورة للصلاة في الكنيسة وشركة الصلاة مع القديسين. وقد أبصر يوحنا في سفر الرؤيا في السماء حول العرش الإلهى الأربعة وعشرين قسيساً وفي أيديهم مجامر من ذهب يرفعون بخوراً الذي هو صلوات القديسين (انظر رؤ5: 8).


وإيقاد الشمع أمام الأيقونة هو لتأكيد أن السيد المسيح هو نور العالم. وبالنسبة للقديسين أن حياتهم كانت منيرة بالمسيح الذي قال أيضاً لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (مت5: 14). وتظهر أهمية الشموع بصفة خاصة حينما توجد كنيسة بلا تيار كهربائى في الصلوات المسائية والليلية، أو التي في الصباح الباكر جداً. وهذا كان الوضع إلى عهد قريب قبل اختراع التيار الكهربائى. إن الأيقونة في الكنيسة في حال مثل هذا بدون الشمع أمامها؛ لا يراها أحد من الناس وتكون الشمعة هى تقدمة حب نحو من أناروا العالم بقداستهم. وعند قراءة الإنجيل أيضاً تضاء الشموع لنفس الأسباب ولأن الإنجيل قد أنار العالم، والسيد المسيح قد "أنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل" (2تى1: 10). أي بواسطة بشرى الخلاص بموت السيد المسيح وقيامته.
ولا يفوتنا هنا أن نشير أنه في كلٍ من التقليد الأرثوذكسى الشرقى والبيزنطى قد تلازم تكريم الأيقونة مع تكريم الإنجيل المقدس. لأن السيد المسيح ترك لنا صورته على المنديل والكفن وكلامه في الإنجيل، ولم يترك تمثالاً مجسّماً لصورته. ومن هنا لم تُدخِل الكنائس الأرثوذكسية التمثال في تقليدها وطقوسها التي تجرى داخل الكنيسة في أثناء الصلوات المقدسة.
إن للتمثال أبعاد ثلاث (طول - عرض - ارتفاع). أما الأيقونة فلها بعدين، وبعدها الثالث هو عمق أو علو روحانية صاحب أو صاحبة الأيقونة.

كتاب المسيح مشتهى الأجيال
منظور أرثوذكسي (مع حياة وخدمة يسوع) - الأنبا بيشوي