الملك فاروق ضابطان أخبراني بموعد تحرك الجيش والإخوان

 

الملك فاروق ضابطان أخبراني بموعد تحرك الجيش والإخوان 

ضابطان أخبراني بموعد تحرك الجيش والإخوان

ضابطان أخبراني بموعد تحرك الجيش والإخوان

 

كتب ومسلسلات وأفلام وأساطير وحكايات روت قصة هذا الرجل، ولم يسمع أحد جانبه منها، هو الملك الذي وصف بأنه باع نفسه للإنجليز وتسبب في ضياع فلسطين وأهدر أموال الدولة في حفلات مجون، كما يقول كارهيه.

وهو الملك المظلوم الذي أطاح به ضباط صغار طامعين في السلطة، كما يقول محبيه.

وبين هذا وذاك، لا يمكننا، نحن الجيل الذي لم يعش أيامه ولم ير حكمه، أن ندرك أيهما الحقيقة، وهل الحقيقة في وجه واحد من هذه الآراء أم من الممكن أن يكون للحقيقة أوجه عدة، تمزج بين هذا الرأي وذاك؟

ولأننا الجيل الذي تربى على الأفلام التي صورت فاروق بالملك الفاسد الماجن الخائن، فربما علينا أن نستمع إلى الجانب الآخر من القصة، ثم نترك لكل منا حكمه الخاص به، والذي رواه الملك المخلوع نفسه من منفاه، في سلسلة مقالات نادرة لصحيفة «ذا صنداي هيرلد»، بعد أسابيع من رحيله، يروي فيه كواليس حكمه ورحيله، يتحدث فيها عن علاقته بالحاكم الجديد، آنذاك، محمد نجيب، ورؤيته لمستقبل مصر، حيث أفردت الصحيفة البريطانية صفحة إسبوعية لـ«فاروق» يكتبه فيها مذكراته، بدأت يوم 12 من أكتوبر 1952، تحت عنوان: «الملك السابق فاروق يروي قصته»، وموقعة باسم «الملك فاروق فؤاد، ملك مصر المنفي».

«المصري لايت» تعيد نشر مذكرات الملك فاروق الأول في حلقات مكتوبة بقلم صاحبها.

«لا أخجل من البكاء»

«في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، أنا مسجل كأول حاكم في الشرق الأوسط يحذر من فتح الأبواب للروس. رجوت وبدموع حقيقية في عيني (نحن الشرقيون لا نخجل من البكاء عندما نتحرك بصدق) السفير البريطاني في ذلك التوقيت لعدم إجباري على قبول سفارة روسية في مصر. ولكن السفير، السير ميلز لامبسون، متعجرف وحقير كالعادة، قال: «حقيقة، يجب عليكم أنتم المصريون أن تدركوا أن الروس حلفائنا». من منا حاول أن يرى أبعد من منخاره أطلق عليه «طابور خامس»، في ذلك التوقيت. إذن الروس أتوا إلى مصر بابتسامات وأموال كثيرة من موسكو. كل سبت بعد الظهر كان موظفي السفارة الروسية يوزعون طعام مجاني وشاي لفقراء المدينة. الطوابير كانت تقف بصبر خارج السفارة الروسية.

ولم يكن مسموح لي أن أوقف ذلك، الروس حلفائنا!

 

أنا ولامبسون

لم يكن فقط الطعام والشاي الذي يوزع. أي متهور أو ثوري من الإخوان المسلمين لبنات النيل كان يمكنه ضمان المنحة المالية الكريمة من الطيبين الروس في القاهرة. قبل مجيء الروس، لم يكن الإخوان المسلمين خطرًا، كانوا فقراء ومهاويس دينيين، ثم ملأ الكريملين جيوبهم، ليستطيع الإخوان أن يخرجوا من زوايا الشوارع لامتلاك جرائد وزرع جواسيس في مناصب عليا.

الآن خطتهم نجحت، الإخوان المسلمين أمسكوا بالسلطة التي لهثوا خلفها، والآن بداية دفع الثمن للشيوعيين. نجيب عين لتوه، كوزير للبروباجندا رجلًا يدعى فتحي رضوان، وهو سجين سابق وشيوعي قاهري شهير. اليوم هو صوت نجيب الرسمي.

عندما يقرأ فتحي رضوان هذا سيركل ويتملص وينكر. سيحاول أن يغرقني بآلته للبروبجندا. أنا فقط رجل واحد، ولكنها الحقيقة، والسفارة الأمريكية تعرفها.

الآن الشيوعيون مشغولون بالخطوة القادمة من الخطة. جريدتهم «معارضة» في مصر (التي لم أكن سأسمح بها أبدًا) تطالب برحيل الملكية.  يقودهن الشيوعية دوريس شفيق، يرددون هذه المطالب. ولترفع صوتها في طاعة لمن يملكون سلاسل محفظتها، تصف الصحيفة الرسمية للإخوان المسلمين «الدعوة» القصر الملكي، الذي عمره قرنًا، بـ«عصابة اللصوص قاطعي الرقاب».

ليس فقط أنا، بل كل عائلتي وأسلافي كذلك، ومن المحتمل نجلي.

 

هم يعرفون ما يفعلونه. الخطة التي أعطت لـ«نجيب» كانت بسيطة وذكية. مجموعة لا تزيد عن 30 أو 40 ضابطًا غاضبًا، رتبهم تتراوح بين الملازم واللواء (اللواء نجيب الأقدم) كانوا ليدخلوا بشكل طبيعي لمقر الجيش، واحدا تلو الآخر، ويتغلبون على ضباط الخدمة. المجموعة سيطرت على لوحة «السويتش» وبعثت بتعليمات عاجلة لكل الضباط الموثوق بهم وقادة الجيش للحضور فورًا واحدا تلو الآخر، بينما هرع الضباط الأبرياء لتنفيذ الأمر، غير مدركين ما حدث، تم التحفظ عليهم، وسجنهم، وتم تسليم أعمالهم لواحد من المنتظرين من الضباط الثوار الذين تم ترقيتهم بشكل فوري. وفي خلال ساعات، انتقل الجيش المصري بأكمله لأيدي قلة من الثوار.

الجنود العاديون استيقظوا في خيامهم ليجدوا قادة جدد مشغولون بإعطاء أوامر لحالة طوارئ. جنود لم ينفضوا عنهم النعاس بعد، خرجوا بدبابات وحاصروا مقر الراديو ومصلحة التليفونات. «نجيب» اعترف بشكل علني أن الجنود العاديون لم يكن لديهم فكرة عما يحدث، هم ببساطة أطاعوا الأوامر كما يفعل الجنود المدربين.

 

تحركات الجيش كان محدد موعدها الساعة 2 صباحًا، ضابطين مخلصين خاطروا بحياتهم لإخباري، تواصلا معي الساعة الـ11 مساءً الليلة السابقة، وكان لدي 3 ساعات وكنت أبعد 10 أميال في قصر المنتزة مع زوجتي وأولادي. على التو هاتفت رئيس الديوان لأحذره، وهرع بسيارته إلى وزارة الدفاع، ثم تلقيت منه مكالمة مرتبكة قال فيها: «جلالتك، المكان ممتلئ بضباط ورجال لا يجب أن يكونون هنا»، دوى صوت رصاص على السلم، حارسه أطلق عليه الرصاص ثم انقطع الاتصال.

البحرية المصرية أرسلت في اللحظة بارجة لمرسى قصر المنتزة لحماية العائلة الملكية، وفي ذلك الوقت، بعدما أسكت الثوار كل التليفونات، كانوا مشغولون بسجن كل مسؤولي الشرطة الكبار، ولم يمر كثير قبل أن تحلق مقاتلة حربية فوق قصر المنتزة، إلا أنها رحلت بعدما وجهت بارجة البحرية مدافعها تجاهها، ويبدو أنها كانت فقط للاستعراض في هذا التوقيت.

 

بوارجي الحربية الأخرى كانت في تلك اللحظات عالقة تحت تهديد السلاح في ميناء الإسكندرية. أدركت أنني يجب أن أرحل من قصر المنتزة، الذي هو هدف مثالي من الجو. إذا كنت سأقتل فأردت أن أقتل في قلب الإسكندرية، حيث يستطيع شعبي أن يرى العلم المصري الملكي على صاري قصري. لا أريد أي إشاعات بعد موتي أنني انتحرت.

وفي الراديو، الذي سيطروا عليه، أعلن الثوار حظر التجوال: «كل السيارات والمارة في الشوارع سيتم إطلاق النار عليهم»، كان علينا أن نركض 10 أميال بين الدبابات والعربات المدرعة لبلوغ قصر رأس التين في قلب الإسكندرية. مهما حدث، وددت أن يعبر ابني هذه الشوارع حيًا.

 

مقالات ذات صله